تأملات وجودية #2
كلام فاضي
الإنسان، يتوتّر -تطوريًا-، عندما يُقدم على فعل ما لأول مرة، تنتهي هذه التجربة بخبرة. يعود الإنسان لتكرار ذات الفعل للمرة الثانية، فيتجنّب هذا التوتّر بالتنميط، باستخدام الماضي لاستشراف المستقبل، ليريح توتّره، ويطمْئن قلقه الشديد من الفناء -تطوريًا-، فيُقدم على الفعل للمرة الثانية -نتيجة للتنميط- بأحكام مسبقة. ينتهي هذا الفعل المكرر إلى حالة من ثلاث: خيبة الأمل، الحيرة، أو التعصّب الشديد لأنماطه. خيبة الأمل تولّد أنماطًا جديدة، والحيرة تولّد توتّرًا جديدًا يولّد خبرة تولّد أنماطًا جديدة، والتعصّب الشديد يولّد أفعالًا يبدو فاعلها في غاية الامتلاء.. ولا محالة من أن تنتهي أحد الأفعال بخيبة الأمل، أو الحيرة الشديدة، وكلاهما يؤديان، بطريقة أو بأخرى، إلى ولادة أنماط جديدة، وأحكام جديدة.
بعد عدة خبرات، وعدة دورات في هذه الدوامة.. تبدأ تتكوّن المعتقدات الحرّة.
بعد عدة سنوات من تكديس المعتقدات الحرّة، والكفر بها وإعادة بنائها باستمرار.. يُخلق التفرّد.
شفت هالسردية الطويلة والمؤدية إلى التفرّد؟ كانت ستنتهي لو أقدمت على الفعل لأول مرة وأنت مب متوتّر. لأنك ان لم تكن وقتها متوتر، أنت غالبًا تحمل افتراضات قبلية/أنماطًا/أحكامًا مسبقة هجينة، مصدرها شخص آخر أما بشكل غير واعي، او بشكل واعي على شكل نصيحة أو رأي. كانت ستتبدّل هذه السردية إلى سردية أخرى تحاول فيها إثبات أحكام لا تنتمي إلى الخبرة الذاتية، ولانتهت هذه السردية إلى الذوبان في الآخر بدلًا عن التفرّد.
بس دقيقة… كيف أنماطي بتتكون بعد التجربة الأولى؟ مب باستخدام أدوات من المجتمع؟ يعني مب اللي سميناها اراء حرّة، متكونة بواسطة ادوات المجتمع في الحكم على الموضوعات؟
بالضبط! الفرد مندمج في الآخر لا ينفك عنه، السؤال هو كم نسبة الآخر فيك؟ كم بالمية من الادوات المستخدمة في الحكم الذاتي بعد التجربة مُكتسب من الاخر؟ وكم بالمية منها مكتسب من تجارب ذاتية سابقة او من اختيارات ذاتية؟
السؤال الأول المولّد هنا: وش الحل اذا اكتشفت ان الاداة المستخدمة هي موروثة لا وعيًا من انماط المجتمع وادواته؟
الاجابة :هنا انك ما تبحث عن حل، فقط احترم هذا المكتسب ولكن لا تأخذه بجدية. لازم تنظر إلى الأفراد والموضوعات المنمّطة كممثلين في مسرحية الموروث. ولابد أن تضحك من هذه الأنماط.
مثلًا، عندي صديق أصابعه طوال بشكل مخيف.. كل شخص أقابله وأجد أصابعه تقارب طول أصابع صديقي، أجد فيه شبهًا غير طبيعي في الطباع والشخصية وكل شيء من صديقي. أضحك بشدة.. وأتأمل كيف اني اكتسبت التنميط الجسدي البدائي بحد ذاته من اجدادي البدائيين اللي كانوا لا ينفكون عن التنميط في سبيل التنبؤ بفعل الآخر، في سبيل الأمان -في سبيل البقاء، تطوريًا-. واتأمل كيف ان حكمي على الطباع أنها متشابهة، ويلحقها أحكام لا واعية من قبيل “هذا جيد” و”هذا سيئ”. كل هذي الأدوات المستخدمة في الحكم هنا موروثة من المجتمع اللي اعيش فيه، اتأمل كيف اني خليط بين وعي جمعي ولاوعي جمعي، بين مجتمع يعتقد وأنسان بدائي يسكن جيناتي.
السؤال الثاني المولد هنا: طيب لو كانت الاداة المستخدمة تنبع من رأي حر نتيجة تجربة ذاتية سابقة، كيف استطيع الحكم على الموضوع الذي يشترك معي فيه الآخر الذي يمتلك تجارب مغايرة؟
الجواب: خلك مثل محمد عبده يوم يقول: (إنتي الأماني والمواني اللي “سمّوها” محبّة). هم سمّوها محبّة، أنا أفككها بآرائي الحرّة إلى أماني ومواني، ومع ذلك، سأستخدم مفردة محبّة. الله عليك يا بونورة. إذا استمر الإنسان باحترام هذه الأنماط والتشكيك المستمر بها.. سيقوده هذا حتمًا إلى أحكام متفرّدة بعد عدة دورات في الدوامة السابق ذكرها، وبذلك، سيصل إلى التفرّد. أن يكون الآخر في جيناتك اللغوية، لكنك تعتنق آراءً من صنعك الفردي -من الخبرة الذاتية- التي توجِد المعاني لتلك اللغة.


