لماذا نكتب؟
تأملات مكتوبة حول الكتابة
“إن الذين يخافون النظر والابتسام، يستطيعون بلا أدنى شك.. أن يكتبوا.” عندما مرّت علي هذه الجملة في إحدى روايات نجيب محفوظ.. أخذت اكتب في هامش الصفحة استطرادات حول هذا الرأي, ثم انتقلت الى هامش الصفحة التي تليها, ثم التي تليها, ثم أدركت أن الهوامش لا تكفي لتهميش هذه الجملة.. وأنها كانت من جمل نجيب التي “تضرب دون ان ترفع صوتها” فأخذت ادوّن في الدفتر. وها أنا, أنقل مقتطفات من تأملاتي.
الكتابة كتعويض
بالرغم من محاولاتي المتكررة في اعتزال فرويد, إلا انني أجد نفسي دائما وبشكل “لا واعي” في إطار مفرداته, وفي سجن تحليلاته.
الكتابة, احيانا, تعويض عن المعارك التي لم ننتصر بها -يمكن ولا حتى خضناها-. عندما نواجه الرفض المستمر من الحياة ولا نجد له مبرر, نلجأ الى محاولة استرداد جميع الخسائر بالحبر. لذلك, يلجأ الكتّاب -الروائيين تحديدا- على اعادة تشكيل حياتهم عن طريق وضع نهايات بديلة, او بدايات جديدة, او ابتكار عالم “وردي”. على قولة غازي القصيبي: “الشعر هو حياتنا، أما الرواية فهي حياتنا كما نتمنى أن تكون.”
فرويد يسمّي هذا تسامي “sublimation”, نوع راقٍ من الحيلة النفسية، نحوّل فيه الألم إلى فن.
وجهة نظر وجودية
الكتابة، في جوهرها، ليست وسيلة للتعبير بقدر ما هي محاولة يائسة لصناعة المعنى.
في الوجودية، الإنسان يولد في عالم لا يقدم له أي معنى جاهز. عليه أن يخترع، أن يختار، أن يتحمّل عبء حريته.
وهنا تظهر الكتابة: كأداة ضد الفراغ، كاحتجاج على العبث.
وهنا يظهر التناقض الوجودي: أن تكتب يعني أن تلتقط ذاتك من تدفقها المستمر، أن تحوّلها إلى موضوع جامد أمامك. تصبح الذات التي كتبت، شيئًا مضى. وهكذا تبدأ المفارقة: هل تتشبث بها؟ أم تحتقرها وتمضي؟
الكتابة بهذا المعنى، تجميد للحظة في حياة لا تكفّ عن التحوّل. وربما لهذا يعود الكاتب دائمًا إلى نصه القديم بشيء من النفور، لأنه لم يعد يشبهه. لأنها كانت نسخة من ذاته، تجاوزَها.
*قد يكون صديقي الحميم نيتشه أكثر من عبّر عن هذه الفكرة حين قال إن الإنسان الحقيقي هو ذاك الذي يتجاوز نفسه باستمرار، لا يستقر في صورة ولا في فكرة. الكتابة، إذًا، تُظهر هذا التوتر: بين الحاجة للتوثيق، والرغبة في التجاوز.
في النهاية..
لو احد سالني ليه نكتب؟ راح اسلك له بجواب مثل: عشان نفرّغ مشاعرنا.
أو، بقوله أرسلت الجواب في نشرتي هذي، اللي كتبتها، عشان اقدر اعبّر عن ليه نكتب.


