الوجودية في العقيدة
الوجودية كطريق للعقيدة
مدخل
قال لي احد معلمين الدين في المرحلة المتوسّطة بعد ان سمع مني افكارًا تشكك في الموروثات:
-انتبه يا زايد.. ستودي بك هذه الافكار الى ان تسأل هل الله موجود؟ ثم ستلحد.
كان التيار الصحوي وقتها يمنعني من ان اقول:
ماذا لو لم ألحد؟
ماذا لو قادني التشكيك الى البحث الطويل ثم الى الإيمان الراسخ بالخالق العظيم؟
نعم، سأكفر بالثنائيات التي ورثتها، بالخير والشر المطلق الذي لُقِّنتُه..
هذا طبعاً سيقودني الى عدميّة الاخلاق الواعية،
وكونها عدميّة واعية، فإنها حتماً ستقودني الى ايجاد ثنائيات اخرى تشبهني، خير وشر اؤمن بهما ايمان راسخ.
التشكيك في الموروث عادتي القديمة التي لم أرثها.
فيما يلي، مقتطفات مختصرة من تأملات دونتها تحت عنوان: الوجودية كطريق للعقيدة، اود التنبية ان هذا النص هش جدا من ناحية الاستدلال الفقهي ولا يعد اكثر من وجهة نظر شخصية تجاه الوجودية وليس الدين الذي لست عالمًا فيه بما يكفي لأتحدث عنه -فضلا عن أن أجادل فيه-. كما أود الأعتذار على أن بعض الافكار لم تشرح بإسهاب، وعلى وجود الكثير من الاجزاء المفقودة من السياق، لان النص هو مقتطف من نص كتبته لنفسي ولم انوي نشره.
المنهج الوجودي في العقيدة
المعتقد الديني الوجودي يبدأ بالتماس جذر الوجود الالهي (هذا ربي هذا اكبر)، وهذه ماهية للاله الهمها الله للانسان. فيستحيل مثلاً ان يقول سارتر لو قرر الايمان (هذا ربي لانه اصغر)، انه حر في قراره، ولكن لا يمكن ان يكون حرّاً في الجذر الاولي لمفهوم الاله.
وفق منهج الاعتقاد الديني الوجودي -وهو تسمية اخترعتها للتو- بعد ان يبدأ الانسان الوجوديّ بالتماس جذر الوجود الالهي، يبدأ بالبحث عن هذا الجذر (لإن لم يهدني ربي)، ثم بعدها يبدأ بالبحث المسؤول عن ماهية الاله عن طريق الشرائع والكتب السماويّة التي هي الوسيلة الوحيدة للإنسان نحو ماوراء الانسان.
بعد ان يستقرّ الانسان الوجودي على دين وشريعة، وتثبت عنده عقيدة اختارها بمسؤولية تامّة، تبدأ رحلته مع “العبادة الوجودية”.
العبادة الوجودية
١- النيّة
(انما الاعمال بالنيات)، بالانطلاق من هذا الحديث الشريف، وبقراءة اركان العبادات، وبتأمل شروط قبول العمل (الاخلاص والمتابعة) نجد ان العبادات بالنيات.
بالعودة الى الفلسفة الوجودية، فإنها تتحدث في غالبها في اربعة قضايا:
الحرية، العزلة، الموت، المعنى.
نجد ان فضل النية يكمن في جوهره على العزلة، وبه يصل الانسان الى التقى.
٢- التقى
لاطالما فهمت التقى على انه تعبير عن صدق الايمان.
بالعودة على القضايا الوجودية الاربع، نجد فضل التقى يكمن جوهره في الاربع قضايا كلها..
الحرية: لا يحاسبك العقد الاجتماعي على تقاك، لانك تحتفظ به وحدك.
العزلة: تستطيع ان تشترك مع الآخر في الايمان، لكنك وحيداً في ممارسة التقى.
الموت: تختار بحريتك وعزلتك مايجعلك تتحرر وجودياً من الموت، وتتجاوزه الى ما وراءه.
المعنى: ودي استطرد هنا شوي واكتب خلاصة ماقالوه الوجوديين عن معنى الحياة..
اولا، لازم نفهم الوجودية كمذهب فلسفي ينفي معنى الحياة المسبق الوجودية مبنية على مقولة سارتر -وهو الأب للوجودية الالحادية- “الوجود يسبق الماهية” يعني الانسان ما انولد لغاية مسبقة، وماله ماهية مقررة مسبقًا، بل يجب ان يصنع هو ماهيته. وبالتالي، فلا يوجد معنى، وينبغي للانسان ان يصنع المعنى من حياته، وهذا المبدأ إلحادي بدون شك.
من وجهة نظري، ان خطاب الوجودية الالحادية يكون مقبولًا اذا وُجّه للفرد لا المجتمع. وللذات لا الإنسان. فيكون الخطاب بهذا الشكل: يوجد معنى مُسبق من حياتك كإنسان وهو ان تعبد الله وتعمر الارض.. ولكن كفرد، كذات، لا يوجد لحياتك معنى مُسبق.. ويجب ان تصنع انت بنفسك المعنى (ممكن يكون دفاع عن قضية ما او جمع طوابع، ما تفرق) فيكون بذلك خطاب وجودي مُتزن للمعنى، وإسلامي. وهذا يتفق مع ما قاله فيكتور فرانكل و رولو ماي، وهما من أبرز من تكلم عن المعنى في الوجودية.
نعود الان للمعنى في إطار فهمنا للوجودية كمنهج للعقيدة، وُنسقط عليه الخطاب الوجودي المتزن والإسلامي -كما أسميته للتو- نصيغ خطاب المعنى الوجودي المتزن والاسلامي في إطار التقى في المنهج الوجودي للعقيدة كالتالي:
“المعنى من التقى المقرر مسبقا للإنسان هو ان تتقي الله لذاته، لانه الله. اما المعنى الذاتي لتُقاك انت فيقع على عاتقك، يمكن لك ان تتق الله لاسباب عدة، ولمعاني لا يمكن احصائها. فيمكن لك ان تتق الله لتشكره، او ان تتقيه لمخافته، او ان تتقيه لحبك له، او ان تتقيه لرجاءه.
٣- التعبّد الوجودي
العبادة الوجودية مفهوم واسع -اخترعته للتو ايضا-، والتعبد الوجودي احد فروعه ومحتوياته.
التعبد الوجودي يقوم على مسؤولية الفرد في فهم معنى حياته، اعادة بناء قيمه، ثم ايجاد العبادات التي يفتح له الله فيها.
المنهج الماهوي في العقيدة، وهو ضد ما اتحدث عنه في هذه السطور، يقوم على اعطاء الفرد المؤمن طوق نجاة ثقيل جداً، في اغلب الاحيان يتكفّل طوق النجاة بإغراق الغريق بدلاً من انقاذه.
فمثلاً، الخطاب الديني الماهوي -وهي تسمية اخترعتها للتو- هو الذي يقول صلِّ الوتر يومياً كي تُرزق، او ان تتصدق يومياً ولو بريال لكي ...
لا اريد ان اطيل في الامثلة، والامثلة كثيرة. الشاهد ان مُتلقّي الخطاب الديني الماهوي يجد نفسه مُثقل بكثير من الواجبات ومن الحد الادنى من العبادات الني بها يحافظ على إيمانه الذي لم يختاره (وفق خطوات المنهج الوجودي في العقيدة).
فيعيش متلقي الخطاب الماهوي في نهاية المطاف في حالة من اللامعنى الديني، وتأنيب الضمير المستمر.
اما من سلك المنهج الوجودي في التعبد، نجد انه يمتلك عقيدة راسخة بفضل الله ثم المنهج الوجودي السابق ذكره، ثم بعد ذلك يتلقّى الجذر الاولي (طوق النجاة التعبّدي) من دينه وشريعته، وبعد هذا الوجود يبدأ ببناء ماهويات التعبّد التي تناسب سياقاته ويفتح الله له فيها. فتجده مثلاً يتفرّد بالصدقة وبالسنن دون قيام الليل، او بالضحى في وقتها دون صوم النوافل.
ولكن، ماهو هذا الحد الادنى من التعبد/الجذر الاولي/طوق النجاة في الدين الاسلامي؟
عندما نعود الى السنة، نجد هذا الحديث الشريف اللي اعتقد انه يوصلنا لطوق النجاة:
“أنَّ أعْرَابِيًّا جَاءَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقالَ: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ شيئًا، فَقالَ: أخْبِرْنِي ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ شيئًا، فَقالَ: أخْبِرْنِي بما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقالَ: فأخْبَرَهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَرَائِعَ الإسْلَامِ، قالَ: والذي أكْرَمَكَ، لا أتَطَوَّعُ شيئًا، ولَا أنْقُصُ ممَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شيئًا، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أفْلَحَ إنْ صَدَقَ، أوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ صَدَقَ.”
نفهم من الحديث الحد الادنى “الماهوية المسبقة الموجهة للإنسان ككل”، مايزيد عنها، ما “تطّوّعه” مهمتك وحدك، لازم تفهم نفسك وطينتك وسياقاتك وتختار العبادات المناسبة لك بحيث تستمر عليها.
الوجودية كمنهج كل شيء.
الوجودية نحصلها في كل شيء، فالتعليم الوجودي مثلًا هو الذي يرتكز على القضايا الاربع، يعطي الطالب حريته وعُزلته في التعلم، وان لا يوجد معنى جاهز للتعليم، بل يجب على الطالب ان يكتشفه وفقاً لسياقه الخاص. والامثلة تطول.


